ابن كثير

198

البداية والنهاية

فأحرق ، ثم انشمر إليون في السفن وأخذ ما أمكنه من أمتعة الجيس في الليل ، وأصبح وهو في البلد محاربا للمسلمين ، وأظهر العداوة الأكيدة ، وتحصن واجتمعت عليه الروم ، وضاق الحال على المسلمين حتى أكلوا كل شئ إلا التراب ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى جاءتهم وفاة سليمان بن عبد الملك وتولية عمر بن عبد العزيز ، فكروا راجعين إلى الشام ، وقد جهدوا جهدا شديدا ، لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى مسجدا بالقسطنطينية ( 1 ) شديد البناء محكما ، رحب الفناء شاهقا في السماء ( 2 ) . وقال الواقدي : لما ولي سليمان بن عبد الملك أراد الإقامة ببيت المقدس ، ثم يرسل العساكر إلى القسطنطينية ، فأشار عليه موسى بن نصير بأن يفتح ما دونها من المدن والرساتيق والحصون ، حتى يبلغ المدينة ، فلا يأتيها إلا وقد هدمت حصونها ووهنت قوتها ، فإذا فعلت ذلك لم يبق بينك وبينها مانع ، فيعطوا بأيديهم ويسلموا لك البلد ، ثم استشار أخاه مسلمة فأشار عليه بأن يدع ما دونها من البلاد ويفتحها عنوة ، فمتى ما فتحت فإن باقي ما دونها من البلاد والحصون بيدك ، فقال سليمان : هذا هو الرأي ، ثم أخذ في تجهيز الجيوش من الشام والجزيرة فجهز في البر مائة وعشرين ألفا ، وفي البحر مائة وعشرين ألفا من المقاتلة ، وأخرج لهم الأعطية ، وأنفق فيهم الأموال الكثيرة ، وأعلمهم بغزو القسطنطينية والإقامة إلى أن يفتحوها ، ثم سار سليمان من بيت المقدس فدخل دمشق وقد اجتمعت له العساكر فأمر عليهم أخاه مسلمة ، ثم قال : سيروا على بركة الله ، وعليكم بتقوى الله والصبر والتناصح والتناصف . ثم سار سليمان حتى نزل مرج دابق ، فاجتمع إليه الناس أيضا من المتطوعة المحتسبين أجورهم على الله ، فاجتمع له جند عظيم لم ير مثله ، ثم أمر مسلمة أن يرحل بالجيوش وأخذ معه إليون الرومي المرعشي ، ثم ساروا حتى نزلوا على القسطنطينية فحاصرها إلى أن برح بهم وعرض أهلها الجزية على مسلمة فأبى إلا أن يفتحها عنوة ، قالوا : فابعث إلينا إليون نشاوره ، فأرسله إليهم ، فقالوا له : رد هذه العساكر عنا ونحن نعطيك ونملك علينا ، فرجع إلى مسلمة : فقال : قد أجابوا إلى فتحها غير أنهم لا يفتحونها حتى تتنحى عنهم ، فقال مسلمة : إني أخشى غدرك ، فحلف له أن يدفع إليه مفاتيحها وما فيها ، فلما تنحى عنهم أخذوا في ترميم ما تهدم من أسوارها واستعدوا للحصار . وغدر إليون بالمسلمين قبحه الله . قال ابن جرير : وفي هذه السنة أخذ سليمان بن عبد الملك العهد لولده أيوب أنه الخليفة من بعده ، وذلك بعد موت أخيه مروان بن عبد الملك ، فعدل عن ولاية أخيه يزيد إلى ولاية ولده أيوب ، وتربص بأخيه الدوائر ، فمات أيوب في حياة أبيه ، فبايع سليمان إلى ابن عمه عمر بن

--> ( 1 ) كان مسلمة قد بنى مدنية القهر حذاء مدينة القسطنطينية وبها بنى مسجدا عظيما . ( 2 ) انظر الكامل ج 5 / 29 والطبري 8 / 118 والعيون والحدائق ص 25 التنبيه والاشراف ص 165 ورواية لابن الأعثم مطولة مختلفة 7 / 298 وما بعدها .